ابن قيم الجوزية
400
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
حوائج العالمين ، وعموم التوكل ، ووقوعه من المؤمنين والكفار ، والأبرار ، والفجار والطير والوحش والبهائم . فأهل السماوات والأرض - المكلفون وغيرهم - في مقام التوكل ، وإن تباين متعلق توكلهم . فأولياؤه وخاصته يتوكلون عليه في الإيمان ، ونصرة دينه ، وإعلاء كلمته ، وجهاد أعدائه ، وفي محابه وتنفيذ أوامره . ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه ، وحفظ حاله مع اللّه ، فارغا عن الناس . ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله منه من رزق أو عافية ، أو نصر على عدو ، أو زوجة أو ولد ، ونحو ذلك . ودون هؤلاء من يتوكل عليه في حصول الإثم والفواحش . فإن أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غالبا إلا باستعانتهم باللّه ، وتوكلهم عليه . بل قد يكون توكلهم أقوى من توكل كثير من أصحاب الطاعات . ولهذا يلقون أنفسهم في المتالف والمهالك ، معتمدين على اللّه أن يسلمهم ، ويظفرهم بمطالبهم . فأفضل التوكل : التوكل في الواجب - أعني واجب الحق ، وواجب الخلق ، وواجب النفس - وأوسعه وأنفعه : التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية . أو في دفع مفسدة دينية ، وهو توكل الأنبياء في إقامة دين اللّه ، ودفع فساد المفسدين في الأرض ، وهذا توكل ورثتهم . ثم الناس بعد في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم ، فمن متوكل على اللّه في حصول الملك ، ومن متوكل في حصول رغيف . ومن صدق توكله على اللّه في حصول شيء ناله . فإن كان محبوبا له مرضيا كانت له فيه العاقبة المحمودة ، وإن كان مسخوطا مبغوضا كان ما حصل له بتوكله مضرة عليه ، وإن كان مباحا حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه . إن لم يستعن به على طاعاته . واللّه أعلم . معنى التوكل ودرجاته فلنذكر معنى « التوكل » ودرجاته ، وما قيل فيه . قال الإمام أحمد : التوكل عمل القلب . ومعنى ذلك : أنه عمل قلبي . ليس بقول اللسان ، ولا عمل الجوارح ، ولا هو من باب العلوم والإدراكات . ومن الناس : من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول : هو علم القلب بكفاية الرب للعبد . ومنهم : من يفسره بالسكون . وخمود حركة القلب . فيقول : التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب ، كانطراح الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء . وهو ترك الاختيار ، والاسترسال مع مجاري الأقدار . قال سهل : التوكل الاسترسال مع اللّه مع ما يريد . ومنهم : من يفسره بالرضى . فيقول : هو الرضى بالمقدور . قال بشر الحافي : يقول أحدهم : توكلت على اللّه . يكذب على اللّه ، لو توكل على اللّه ، رضي بما يفعل اللّه .